محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

39

كشف الأسرار النورانية القرآنية

« المقالة الثامنة » في قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 ) [ الأنعام : الآية 98 ] . اعلم أنه لا شبهة في أن النفس الواحدة هي آدم - عليه السّلام - وهي نفس واحدة ، وحواء مخلوقة منه ، فصار كل الناس من نفس واحدة وهي آدم ، فإن قيل : فما القول في عيسى - عليه السّلام - قلنا : هو مخلوق أيضا من مريم ، التي هي مخلوقة من أبويها . فإن قالوا : أليس أن القرآن قد دلّ على أنه مخلوق من الكلمة أو من الروح المنفوخ فيها ، فكيف يصح ذلك ؟ قلنا : كلمة من تفيد ابتداء الغاية ، ولا نزاع أن ابتداء الغاية في تكون عيسى كان من مريم . وهذا القدر كاف في صحة هذا اللفظ ، قال القاضي : فرق بين قوله : أَنْشَأَكُمْ [ الأنعام : الآية 98 ] . وبين قوله : خَلَقَكُمْ [ البقرة : الآية 21 ] . لأن أنشأكم يفيد أنه خلقكم لا ابتداء ، ولكن على وجه النمو والنشوء لا من مظهر الأبوين كما يقال في النبات : أنه تعالى أنشأه بمعنى النمو والزيادة إلى وقت الانتهاء . وأما قوله : فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ [ الأنعام : الآية 98 ] . ففيه مباحث : « المبحث الأول » : [ بيان القرآت ] قرأ ابن كثير وأبو عمرو فمستقر بكسر القاف ، والباقون بفتحها ، قال أبو علي الفارسي : قال سيبويه : يقال قرّ في مكانه واستقر ، فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى المقارّ ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبره المضمر منكم ، أي منكم مستقر ، ومن فتح القاف فليس على أنه مفعول به ؛ لأن استقر لا يتعدى فلا يكون له مفعول به ، فيكون اسم مكان ، فالمستقر بمنزلة المقر وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون خبره المضمر منكم ، بل يكون خبره لكم ، فيكون التقدير : لكم مقر . وأما المستودع ، فإن استودع فعل يتعدى إلى المفعولين ، تقول : استودعت زيدا ألفا ، وأودعت مثله ، فالمستودع يجوز أن يكون اسما للإنسان الذي للإنسان الذي استودع ذلك المكان ، ويجوز أن يكون المكان نفسه . إذا عرفت هذا فنقول : من قرأ : مُسْتَقَرًّا [ الفرقان : الآية 24 ] . بفتح القاف جعل المستودع مكانا ليكون مثل المعطوف عليه ، والتقدير : فلكم مكان استقرار ، ومكان استيداع . ومن قرأ : ( فمستقر ) بالكسر ، فالمعنى : منكم مستقر ، ومنكم مستودع ، والتقدير : منكم من استقر ومنكم من استودع . واللّه تعالى أعلم .